الرئيسية / روضة الحب / روضة الحب – ٤١

روضة الحب – ٤١

النعمتان العظيمتان: الصبر والشكر

لقد جعل الله تعالى هذه الدنيا دار محن وابتلاء، يواجه فيها المؤمن مواقف مختلفة وظروفا شتى. فبعض المواقف توافق أمنيته ورغبته، وبعضها لا توافق أمنيته ورغبته. فالمؤمن قد يبتلى بالصحة والمرض، وقد يبتلى بالغنى والفقر، أو بالسرّاء والضرّاء، كما يقول الله عزّ وجلّ: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (سورة الملك: ٢)

والله عزّ وجلّ يريد أن يرى عبده ماذا يفعل إذا تغيرت حاله، هل يبقى وفيا بربه مخلصا ومطيعا له ومستسلما لأمره، أم يتأثر بتغير الأوضاع والظروف، فينسى ربه ويعصيه.

ورد في حديث عن سيدنا صهيب رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ (صحيح مسلم، الرقم: ٢٩٩٩)

الشكر عند السرّاء والصبر عند الضرّاء

إذا أنعم الله تعالى على العبد بالمال والنعم، فإن الله يبتليه بها ليرى هل يشكره تعالى عليها باستخدامها في طاعته أم يكفر بها بإضاعتها في معصية الله عزّ وجلّ. وإذا أصابته شدائد في صحته أو ماله، فإن الله يبتليه ليرى هل يصبر عليها ويرضى بقضاء الله تعالى وقدره أم يجزع ويهلع.

وأما الابتلاء الحقيقي للعبد في محبته لله تعالى، فإنه يكون إذا امتحن الله تعالى العبد بضراء، فإذا أطاع العبد ربه على الرغم من كونه في الشدائد والمصائب، فقد فاز في الاختبار.

في الغالب، يعتبر الناس الثروة والرفاهية نعمة من الله تعالى ، ويعتبرون المصائب والشدائد نقمة، مع أن المصائب والشدائد أيضًا نعمة عظيمة وفضل من الله تعالى، لأنها تتيح للعبد فرصة للصبر، فإذا صبر عليها، نال أجورا عظيمة ومقاما رفيعا في الآخرة.

فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة، لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده، أو في ماله، أو في ولده، ثم صبره على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله تعالى (سنن أبي داود، الرقم: ٣٠٩٠)

الدعاء بالعافية

الصبر نعمة، لكن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا ألا ندعو بالصبر، لأن الدعاء بالصبر دعاء بالشدائد، ومن الممكن ألا نصبر إذا أصابتنا الشدائد. فلندع بالعافية.

فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا وهو يقول: اللهم إني أسألك الصبر، فقال: سألتَ الله البلاء فسله العافية (سنن الترمذي، الرقم: ٣٥٢٧)

ومن الحقيقة أن الله تعالى ليبتلي العبد إذا أحبه لينال قربه عزّ وجلّ ويفوز برتبة عالية في الآخرة.

فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن من أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (مجمع الزوائد، الرقم: ٣٧٤٠)

قصة سيدنا عروة بن الزبير رحمه الله

فيما يلي قصة التابعي الجليل عروة بن الزبير رحمه الله وصبره الجميل في مصيبة عظيمة

حكي أن عروة بن الزبير رحمه الله خرج إلى الوليد بن عبد الملك، فينما هو يسافر، إذ وجد في رجله شيئا فظهرت به قرحة، ثم ترقى به الوجع، فلما قدم على الوليد، سأله أن تُقْطَعَ رجلُه، فدعا له الطبيب وقال له الطبيب: اشرب المرقد حتى تقطع رجلك وأنت نائم. فأبى عروة وقال: امض لشأنك، ما طننت أن أحدا يشرب شرابا ويزول فيه عقله حتى لا يعرف ربه، فوضع الطبيب المنشار على نصف ساقه وبدأ يقطع.  فما زاد عروة على أن يقول: حس حس. ونظر إلى رجله في الطست بعد ما قطعت فقال: الله يعلم أني ما مشيت بها إلى معصية قط، وأنا أعلم

وحكي أيضا أن ابنه سقط عن ظهر إصطبل، فوقع تحت أرجل الدواب حتى توفي

بعدما اصابت عورةَ هاتان المصيبتان العظيمتان، ناجى ربه قائلا: اللهم كانوا (أبنائي) سبعة فأخذت واحدا وأبقيت ستة، وكن (أعضائي) أربعا فأخذت واحدة وأبقيت ثلاثا، وأيمنك لئن كنت أخذت لقد أبقيت، ولئن كنت ابتليت لقد عافيت

وحكي أنه ما ترك حزبه من القراءة تلك الليلة (الليلة التي قطعت فيها رجله)

وبعدما رجع من سفره، قدم عيسى بن طلحة إليه، فقال عروة لبعض بنيه: اكشف لعمك عن رجلي ينظر إليها. فنظر فقال: يا أبا عبد الله (كنيته) ما أعددناك للصراع ولا للسباق ولقد بقّى الله لنا ما كنا نحتاج إليه منك: رأيك وعلمك. فقال عروة: ما عزاني أحد عن رجلي مثلك (من تهذيب الكمال ٢٠/١9 وتاريخ الإسلام صـ ٤٢٧)

كيف يرى المؤمن الابتلاء

روي عن  سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ما أصابتني مصيبة إِلا وجدتُ فيها ثلاث نعم: الأولى: أنها لم تكن في ديني، الثانية: أنها لم تكن أعظم مما كانت، الثالثة: أن الله يجازي عليها الجزاء الكبير. (صفوة التفاسير ١/٩٥)

شاهد أيضاً

روضة الحبّ – ٤٨ – تنال زبيدة مغفرة الله بسبب تعظيمها الأذان

إن الغرض من خلق الله عزّ وجلّ الدنيا وإرسال الأنبياء والرسل إليها إقامةُ الشريعة  – …