الرئيسية / التفسير / تفسير سورة القارعة

تفسير سورة القارعة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيْمِ

الْقَارِعَةُ ‎﴿١﴾‏ مَا الْقَارِعَةُ ‎﴿٢﴾‏ وَمَآ اَدْرٰىكَ مَا الْقَارِعَةُ ‎﴿٣﴾‏

ٱلْقَارِعَةُ  التي تقرع الخلائق بأهوالها وأفزاعها

يصف الله عزّ وجلّ في هذه السورة أحوالَ الناسِ المخيفةَ يوم القيامة. يومئذ يفرّ الناس ويهرب كل واحد عن الآخر من شدة حيرتهم وفزعهم خوفا من الحساب. وصف الله عزّ وجلّ موقفهم هذا في آية أخرى فقال: يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ‎﴿٣٤﴾‏ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ‎﴿٣٥﴾‏ وَصَٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ‎﴿٣٦﴾‏ لِكُلِّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ‎﴿٣٧﴾‏

يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ‎﴿٤﴾‏

ٱلْمَبْثُوث – المنتشر المتطاير

يصف الله عزّ وجلّ في هذه الآية الكريمة حال فزع الناس وهلعهم يوم القيامة، وكيف ينتشرون هنا وهناك ويفرّون من غيرهم:  يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَالْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ، أي: يفترق كل واحد عن غيره بائسا فزعا وينتشر الناس هنا وهناك، كما ينتشر الفراش

وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ ‎﴿٥﴾

العِهْنُ ٱلْمَنفُوش – الصوف المندوف

الآن الجبال عظيمة صلبة راسية لا يزيلها شيئ. لكن يوم القيامة تنتشر وتطاير كالصوف المندوف المتطاير

فَاَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِيْنُهُۥ ‎﴿٦﴾‏ فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ‎﴿٧﴾‏ وَاَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُۥ ‎﴿٨﴾‏ فَاُمُّهُۥ هَاوِيَةٌ ‎﴿٩﴾‏ وَمَآ اَدْرٰىكَ مَا هِيَهْ ‎﴿١٠﴾‏ نَارٌ حَامِيَةٌ ‎﴿١١﴾‏

فَاُمُّهۥ – أي مسكنه ومصيره

نَارٌ حَامِيَةٌ  – شديدة الحرارة

توزن أعمال الخلق الصالحة والسيئة في موازين يوم القيامة. ويقع الوزن يوم القيامة مرّتين كما دلّت عليه آيات عديدة وأحاديث كثيرة.

فأوّلا، يوزن إيمان المؤمنين، ليميّز بينهم وبين الكافرين. وثانيا، توزن أعمال المؤمنين، فيميّز بين أعمالهم الصالحة والسيئة.

وفي هذه السورة، أريد الوزن الأوّل – كما هو الظاهر – وهو الذي يثقل فيه ميزان كلّ مؤمن، بقطع النظر عن أعماله الأخرى، ويخفّ ميزان الكافر.

وقد ورد في الحديث الشريف ذكر بعض الأعمال الصالحة التي تثقّل الميزان يوم القيامة وتجلب الأجر الكثير. فمنها خمسة أعمال:

١. إخلاص النيّة في العمل. فهو يزيد قيمة العمل ويعلي من قدر صاحبه ويزداد وزنه وأجره بقدر إخلاصه.

٢. اتباع السنة في كل عمل، فإنه يورث العمل حسنا ورونقا وجمالا، وحسن العمل – لا كثرته فقط – سرّ ثقل الميزان. ولا حسن يفوق حسن السنّة.

٣. السكوت وعدم التكلم بلا حاجة، فالمؤمن إذا سكت مشتغلا بذكر الله عزّ وجلّ، يثقل ميزانه يوم القيامة.

٤. حسن الخلق – التعامل مع الآخرين باحترام وأدب من الأعمال المثقلة لميزان المؤمن يوم القيامة.

٥. الإكثار من كلمة لا إله إلا الله، فإنه يكون ثقيلا للغاية بشرط الإخلاص فيه كما جاء في الحديث الشريف.

ينبغي أن يحرص كلّ مؤمن على الزيادة في هذه الاعمال الصالحة حتى يثقل ميزانه يوم القيامة.

وكذلك ينبغي أن يجتنب المؤمن الأفعال التي تخفف ميزان أعماله يوم القيامة. وقد ذكر في الأحاديث الشريفة أفعال عديدة، تفضي إلى نقص وزن الأعمال. فمنها:

١. إيذاء الناس وظلمهم بأي طريق كان

فعن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار (صحيح مسلم، الرقم: ٢٥٨١)

٢. العمل بلا إخلاص رياء وسمعة

فعن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار (صحيح مسلم، الرقم: ١٩٠٥)

وعن سيدنا شداد بن أوس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك (المعجم الكبير للطبراني، الرقم: ٧١٣٩)

وعن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه قال: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا فأشرك فيه غيري فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك، وفي رواية: فأنا منه بريء، وليلتمس ثوابه منه (صحيح ابن خزيمة، الرقم: ٩٣٨)

٣. تناول المسكرات أو أي محرّم

فعن سيدنا عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شرب الخمر وسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا (سنن ابن ماجة، الرقم: ٣٣٧٧)

فلا ينال شارب الخمر أجر عمله إلا إذا تاب وأصلح حياته

٤. ترك الصلاة. فإن ترك الصلاة يذهب بنور الأعمال، فلا ينال المرأ يوم القيامة أجر عمله بسبب تركه الصلاة.

٥. ترك الزكاة

فعن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: أمرنا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فمن لم يزك فلا صلاة له (المعجم الكبير للطبراني، الرقم: ١٠٠٩٥)

فليحترز العبد دائما عما ينقص من وزن أعماله. ولا يحتقرن من المعروف ولا من المنكر شيئا. فإن العمل الصغير – إذا أدّي مع كامل الإخلاص وفق السنة النبوية – عسى أن يؤدّي إلى ثقل ميزان العمل ودخول الجنة.

شاهد أيضاً

تفسير سورة البينة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ …