الرئيسية / روضة الحب / نصائح أبي حازم رحمه الله الذهبية للخليفة سليمان بن عبد الملك – روضة الحب – ٥٢

نصائح أبي حازم رحمه الله الذهبية للخليفة سليمان بن عبد الملك – روضة الحب – ٥٢

كان سليمان بن عبد الملك من أمراء بني أمية، حكم المسلمين من سنة ست وتسعين إلى سنة تسع وتسعين بعد الهجرة.

يحكى أنه سافر مرة إلى مكة المكرّمة. وأثناء سفره، زار المدينة المنوّرة وأقام بها أياما، فقال: هل بالمدينة أحد أدرك أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا له: أبو حازم، فأرسل إليه، فلما دخل عليه، قال له: يا أبا حازم ما هذا الجفاء؟ قال أبو حازم: يا أمير المؤمنين، وأي جفاء رأيتَ مني؟ قال: أتاني وجوه أهل المدينة ولم تأتني، قال: يا أمير المؤمنين، أعيذك بالله أن تقول ما لم يكن، ما عرفتَني قبل هذا اليوم، ولا أنا رأيتُك، قال: فالتفت سليمان إلى محمد بن شهاب الزهري، فقال: أصاب الشيخ وأخطأت. ثم جرى بينهما الحديث الآتي:

سليمان: يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت؟

أبو حازم رحمه الله: لأنكم أخربتم الآخرة، وعمرتم الدنيا، فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب

سليمان: أصبتَ يا أبا حازم، فكيف القدوم غدا على الله؟

أبو حازم رحمه الله: أما المحسن، فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء، فكالآبق يقدم على مولاه

فبكى سليمان وقال: ليت شعري ما لنا عند الله؟

أبو حازم رحمه الله: اعرض عملك على كتاب الله

سليمان: وأي مكان أجده؟

أبو حازم رحمه الله: إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم

سليمان: فأين رحمة الله يا أبا حازم؟

أبو حازم رحمه الله: رحمة الله قريب من المحسنين

سليمان: يا أبا حازم، فأي عباد الله أكرم؟

أبو حازم رحمه الله: أولو المروءة والنهى

سليمان: يا أبا حازم، فأي الأعمال أفضل؟

أبو حازم رحمه الله: أداء الفرائض مع اجتناب المحارم

سليمان: فأي الدعاء أسمع؟

أبو حازم رحمه الله: دعاء المحسن إليه للمحسن

سليمان: فأي الصدقة أفضل؟

أبو حازم رحمه الله: للسائل البائس، وجهد المقل ليس فيها منّ ولا أذى

سليمان: فأي القول أعدل؟

أبو حازم رحمه الله: قول الحق عند من تخافه أو ترجوه

سليمان: فأي المؤمنين أكيس؟

أبو حازم رحمه الله: رجل عمل بطاعة الله ودل الناس عليها

سليمان: فأي المؤمنين أحمق؟

أبو حازم رحمه الله: رجل انحط في هوى أخيه وهو ظالم، فباع آخرته بدنيا غيره

سليمان: أصبت، فما تقول فيما نحن فيه؟

أبو حازم رحمه الله: يا أمير المؤمنين، أو تعفيني؟

سليمان: لا، ولكن نصيحة تلقيها إلي

أبو حازم رحمه الله: يا أمير المؤمنين، إن آباءك قهروا الناس بالسيف، وأخذوا هذا الملك عنوة على غير مشورة من المسلمين، ولا رضا لهم حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة، فقد ارتحلوا عنها، فلو شعرت ما قالوه، وما قيل لهم؟

فقال له رجل من جلسائه: بئس ما قلت يا أبا حازم، فقال أبو حازم رحمه الله: كذبت، إن الله أخذ ميثاق العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه.

سليمان: فكيف لنا أن نصلح؟

أبو حازم رحمه الله: تدعون الصلَف (الكبر)، وتمسكون بالمروءة وتقسمون بالسوية

سليمان: كيف لنا بالمأخذ به؟

أبو حازم رحمه الله: تأخذه من حله، وتضعه في أهله

سليمان: هل لك يا أبا حازم أن تصحبنا، فتصيب منا ونصيب منك؟

أبو حازم رحمه الله: أعوذ بالله

سليمان: ولم ذاك؟

أبو حازم رحمه الله: أخشى أن أركن إليكم شيئا قليلا، فيذيقني الله ضعف الحياة، وضعف الممات

سليمان: ارفع إلينا حوائجك؟

أبو حازم رحمه الله: تنجيني من النار، وتدخلني الجنة

سليمان: ليس ذاك إلي

أبو حازم رحمه الله: فما لي إليك حاجة غيرها

سليمان: فادع لي

أبو حازم رحمه الله: اللهم إن كان سليمان وليك، فيسره لخير الدنيا والآخرة، وإن كان عدوك، فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى

سليمان: قط

أبو حازم رحمه الله: قد أوجزت وأكثرت إن كنت من أهله، وإن لم تكن من أهله فما ينفعني أن أرمي عن قوس ليس لها وتر؟

سليمان: أوصني.

أبو حازم رحمه الله: سأوصيك وأوجز: عظم ربك ونزهه، أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك.

فلما خرج سليمان من عند أبي حازم رحمه الله، بعث إليه بمائة دينار، وكتب إليه: أن أنفقها ولك عندي مثلها كثير، فردها أبو حازم رحمه الله عليه وكتب إليه: يا أمير المؤمنين إن كانت هذه المائة عوضا لما حدثتك فالميتة ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحل من هذه، وإن كانت هذه حقاً لي في بيت المال فلي فيها نظر، فإن سويت بيننا (أي: بين الناس وأعطيت جميع الناس) وإلا فلا حاجة لي فيها. (من سنن الدارمي، الرقم: ٦٧٣)

شاهد أيضاً

يتصدق سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ببستانه كفارة لفوات صلاة الجماعة في المسجد – روضة الحبّ – ٥٠

أمر الله عزّ وجلّ المؤمنين في القرآن الكريم بإقامة الصلاة، والمراد من إقامة الصلاة أداؤها …